حسن الأمين
194
مستدركات أعيان الشيعة
نادر واحتل إحدى قلاعهم . فعرف نادر أن في الأمر مؤامرة عليه . ويقول محمد حسين قدوسي في كتابه « سيرة نادر » إن هذه الساعة كانت أشد أيام نادر حساسية . ومن ثم انصرف عن متابعة السير إلى حرب الأفاغنة ، وتوجه إلى « سبزوار » حيث يقيم طهماسب ، بناء على طلبه . وقبل أن يصل إليها بلغه أن طهماسب عمم على نواحي خراسان أمرا بالامتناع عن إطاعة أوامر نادر وأتباعه . فلما وصل إلى « سبزوار » وجد أبوابها قد أغلقت في وجهه . فلم يجد بدا من ضربها بالمدافع ثم احتلالها بالقوة . أما طهماسب فلم يجد لنفسه مخرجا غير مصالحة نادر . ثم حلف له يمينا أن لا يعود إلى مخاصمته أبدا . وبعد يومين أرسله نادر إلى مشهد ووكل أحد أتباعه بملازمته باشد المراقبة . ثم عاد هو إلى مشهد منفصلا عنه . ولكن لم يكد يستقر به المقام في مشهد حتى ثار التركمان وبعض الأكراد في نواحي مختلفة . فبعث إليهم بجيش بقيادة أخيه إبراهيم خان ورجل آخر . ثم اضطر هو نفسه إلى أن ينجدهما ، فسار إلى الثائرين وأوقع بهم وشردهم . وقد صبر في هذه الحملة على شدائد مضنية من وعورة الطرق وشدة البرد والثلج والجليد . وعلم أن أخاه ورفيقه قد قصرا في الحرب فسجنهما مدة ، ثم أطلق سراحهما . احتلال هرات ثم بعث سفيرا باسم الشاه « طهماسب » إلى بلاط روسيا يطلب جلاء الروس عن « جيلان » . وانصرف إلى تهيئة قواته لاستئناف حرب الأفاغنة . واتخذ في هذا السبيل تخطيطا يدل على ذكاء وتفكير عسكري فائقين . وكان يرى منذ حملته الأولى التي هزم فيها الأفاغنة الأبداليين عند « سنجان » ، أن يبدأ بمهاجمة « هرات » وإخضاع الأبداليين قبل مهاجمة أصفهان العاصمة وإنقاذها من الأفاغنة الغلجائيين الذين يحتلونها . وكان طهماسب يرى عكس هذا . فخالفه نادر إذ كان يرى أن ابتعاده هو وطهماسب من مشهد يتيح الفرصة للأبداليين لمهاجمتها واحتلالها . فالصواب البدء بالأبداليين في « هرات » قبل الغلجائيين في أصفهان . وفي الرابع من شوال سنة 1141 هتحرك جيش نادر ، وعدة رجاله 25 ألفا ما بين فارس وراجل ، إلى « هرات » ، وتحرك من « هرات » إلى ملاقاته جيش الأبداليين ، وعدة رجاله 15 ألفا ما بين فارس وراجل . والتقى الجمعان عند مدينة « كافر قلعة » - وهي اليوم اسمها « إسلام قلعة » تابعة لأفغانستان - حيث سبق أن التقى قبل عشر سنوات جيشا الصفويين والأبداليين ودارت بينهما معركة انهزم فيها الصفويون شر هزيمة . وبعد معارك طاحنة دارت بين جيش نادر وجيش الأبداليين انهزم الأبداليون وطلبوا الصلح . وبعثوا من قبلهم ثلاثة من رؤسائهم يحملون رسالة من قائد جيشهم إلى نادر جاء فيها : « لقد كانت طائفتا الغلجائيين والأبداليين ، وما زالتا ، من رعايا الدولة الإيرانية الشاهنشاهية . وقد شرع الغلجائيون الشريرون الخيانة بان تسلطوا أولا على » قندهار « ثم أصفهان . ولكن طائفة الأبداليين كانت دائما تحارب الغلجائيين وتخاصمهم ، إخلاصا منها للدولة الشاهنشاهية . لهذا نلتمس من قائد إيران القادر أن يعفو عما سلف من ذنوبنا وينزل عقوبته بزعماء الغلجائيين جزاء سلوكهم الفظ بما ارتكبوه من خيانة ونكران للجميل . وطائفة الأبداليين تضع في عنقها ربقة طاعة العبودية لهذا القائد الشجاع . وهي حاضرة لتكون فداء في سبيل تقدم القوات الإيرانية المظفرة « . فقبل نادر التماسهم وعفا عنهم بشرط أن يسلموه مدفعيتهم . وفي اليوم الثاني وفد إلى معسكره ثلاثون رجلا من رؤساء الأبداليين يحملون إليه شيئا كثيرا من التحف والهدايا . فأكرمهم وخلع عليهم ، وجعل قائد جيش الأبداليين « الله يار خان » حاكما على « هرات » . وأقام فيها شهرين ثم عاد إلى مشهد . ومع أن هذه الحملة لم تكن حاسمة في الناحية العسكرية إلا أنها كانت بعيدة الأثر في الناحية المعنوية ، إذ أنها أعادت إلى الإيرانيين ثقتهم بأنفسهم وأبعدت عن أذهانهم أسطورة أن الأفاغنة لا يهزمون . تحرير أصفهان بعد هذه المعركة الرائعة استطاع نادر وعسكره أن يفكروا بعمل أعظم منها ، وهو طرد الأفاغنة الغلجائيين من أرض إيران وإجلاس طهماسب على عرش المملكة في أصفهان . وكان « أشرف » الغلجائي المتسلط في أصفهان على وضع سئ . فقد تورط في محاربة العثمانيين بسبب سوء تصرفه . وأرسل إليه « أحمد باشا » والي بغداد العثماني في سنة 1139 رسالة يهدده فيها ويخبره بأنه قادم إلى حربه ليخلص الشعب الإيراني المتمدن من حكم الأفاغنة المتوحشين ، وإعادة الشاه حسين إلى عرش إيران . وفي هذه الحرب اضطر « أشرف » إلى التخلي عن قسم من أرض إيران للعثمانيين . وتورط « أشرف » أيضا في محاربة الروس . وفي صيف سنة 1142 هشاع في أصفهان أن « حسين سلطان » ابن عم « أشرف » - وكانت بينهما ثارات - يجمع العسكر في « قندهار » لمحاربة « أشرف » . وفي هذا الوقت تواترت الأخبار على أصفهان أن نادرا وطهماسب ، بعد أن أوقعا بالأبداليين تلك الهزيمة الكاسحة ، قد توجها إلى أصفهان لمهاجمته . فاضطرب « أشرف » اضطرابا شديدا ، وحشد كل ما عنده من قوة وأسرع بها إلى حرب نادر . وكان نادر ، بعد عودته من « هرات » إلى مشهد قد عبا جيشه لمحاربة الأفاغنة . ولكنه قبل مسيره عقد اتفاقا بينه وبين طهماسب تعهد فيه طهماسب بان يعهد إليه ، بعد تحرير أصفهان وطرد الأفاغنة من إيران ، بالولاية على إيالات خراسان ومازندران وجرجان ، مكافاة له على خدماته العظيمة . وفي 18 صفر سنة 1142 هغادر نادر وطهماسب مشهد بجيشهما ، وعدته ثلاثون ألفا بين فارس وراجل ، قاصدين مدينة « سمنان » من ولاية « دامغان » في غرب خراسان ، وكان « أشرف » يحاصرها . فترك عندها قسما من جيشه يديم الحصار وسار هو بالقسم الآخر إلى « خاور » و « دامغان » لملاقاة جيش نادر وطهماسب . والتقى الجمعان عند بلدة « بسطام » ودارت هناك أول معركة بينهما . وقاتل فيها من جيش أشرف مقدمته من الفرسان . فتغلب عليهم نادر وردهم على أعقابهم ، فعادوا إلى « سمنان » ، إلى جيش « أشرف » . وتابع نادر تقدمه حتى وصل إلى قرب نهر يعرف باسم « مهمان دوست » في صباح يوم السبت السادس من شهر ربيع الأول سنة 1142 . وهناك دارت معركة بين الفريقين اتبع فيها نادر تكتيكا عسكريا بارعا ضعضع به صفوف الأفاغنة ، وقتل فيها حامل لواء « أشرف » ، فاضطر الأفاغنة إلى